الشيعة والمشروع الوطني .. عوائق وفرص

رسالة الحسين

المقالات التي لا تصدر عن المنتدى لا تعبر بالضرورة عن رأي المنتدى

  طباعة
القرآن وتحديات العصر
آفاق المشروع الشيعي
المؤمن المتمدن
حوارات
تقارير
أنشطة وبرامج



مقدمة:

خلصت الندوة المغلقة التي نظمتها نشرة "رسالة الحسين" تحت عنوان "الشيعة والمشروع الوطني.. عوائق وفرص" إلى ضرورة تطوير الإجتهاد في علاقة الشيعة بأوطانهم وخاصة في المجتمعات التي يمثلون فيها أقليات.

وأكد المتحدثون فيها إلى غياب الرؤية والمنهجية في التعاطي مع قضية التحالفات وطغيان المال السياسي وغياب دور العلماء والنخب المثقفة، وانحصار القرار في دائرة ضيقة لا تقبل الانتقاد.

ورأى المتحدثون أن وجود مثل هذه الثغرات لا يمنع من صعود ونهضة شيعية تشهدها اغلب الساحات الإسلامية ومنها الساحة الكويتية.

الندوة تحدث فيها الأستاذ حسن العطار (مدير منتدى القرآن الكريم) والدكتور صلاح الفضلي (أكاديمي وباحث وكاتب في جريدة الجريدة الكويتية) والدكتور سامي خليفة (باحث وكاتب في جريدة الراي الكويتية)

إدارة وتحرير: ضياء ضياء الدين

رسالة الحسين : المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين حث في وصيته للطائفة بالانخراط في المشروع الوطني ودعا للتخلي عن العنوان الشيعي باعتباره معوقاً للاندماج الوطني. فهل تعبير الشيعة عن ذاتهم ضمن هذا العنوان في إطار الوطن يشكل معوقاً للإسهام في المشروع الوطني؟

الدكتور صلاح الفضلي: خصوصية كلام الشيخ شمس الدين هو انه يتواجد في مجتمع عبارة عن خليط غير متجانس من حيث الطوائف والأديان وهو لبنان. لذا كان البحث عن صيغة للبحث عن الاستقرار. ومن تجربة لبنان توصل الشيخ شمس الدين إلى تعميم هذه التجربة على الأوطان الإسلامية الأخرى.. لذا كان يحث الشيعة ألا ينعزلوا ، وأن يندمجوا في المشروع الوطني لمجتمعاتهم . الشيعة يجب أن يكونوا عامل أمان واطمئنان للآخرين ولا ينغلقوا على أنفسهم ويعتبروا أنفسهم أقلية منعزلة ، هذه هي دعوة الشيخ شمس الدين.. واعتقد أنها دعوة أثبتت صحتها بالنسبة للدول التي فيها أقليات شيعية.. فشكل الدولة يجب أن يكون دولة مدنية يتعايش فيها الجميع بمواطنة متساوية ، تكفل جميع الحقوق للأكثرية والأقلية.. لذا كان يرفض أي مطالبة بحقوق مذهبية خاصة ، مثل المطالبة بمساجد خاصة وحسينيات وغيرها.. لأنها تعني نوع من التمايز والانعزال. كان يرفض مبدأ المحاصصة.

وأنا اعتقد بالفعل يعتبر هذا عائقا لأنه يجعل من الشيعة منعزلين عن باقي المجتمع وخاصة مع وجود الحساسيات الطائفية التي تعيشها مجتمعاتنا.

د. سامي خليفة: لا شك أن كلام الشيخ شمس الدين انعكاس للواقع اللبناني، نعم هو وسع هذه التجربة ليعكسها على المجتمعات الأخرى..

والسؤال هو: إذا أردنا من الشيعة أن يذوبوا في مجتمعاتهم ويتخلوا عن عناوينهم المذهبية.. ما هي النظرية التي يتحركون من خلالها ؟

مشكلة التاريخ الشيعي المعاصر انه لم يأتي بنظرية واضحة توضح للشيعة المسار السياسي في أوطانهم.. كيف يمكن أن تنخرط في مجتمعات تحكمها أنظمة لا تمتثل للمشروع الإسلامي الذي تؤمن به ؟

لذلك المشكلة التي برزت بشكل واضح هي من يحكم من؟ الشريعة أم الدولة؟ فالدولة هي في النظام السياسي هي جزء من كل وهي الشريعة. الشريعة معصومة والدولة خبرات مجتمع.. الكل شامل والجزء مجتزأ.. لذا اعتبر أن كلام الشيخ شمس الدين يعتبر لغما إذا لم يعطى نظرية لكيفية التعامل مع هذا الواقع..

الأستاذ حسن العطار: اعتقد أن هناك مفارقة بشأن مطالبة الشيخ شمس الدين حيث يطالب بعدم تبني العنوان الشيعي مع انه على رأس مؤسسة عنوانها المجلس الشيعي الأعلى! والمجلس لا زال موجود حتى الآن..

أعتقد الأصل هو حرية التعبير .. وحتى في بحوث التنمية نجد أن التنمية تبدأ من الاعتزاز بالذات.. وهو أمر يكفله الدستور من حرية التعبير وحرية العبادة.

لذا فإن قضية التنازل عن العنوان المذهبي شأن يرتبط بالحديث عن الاندماج الوطني.. بمعنى قدرة المجتمع والدولة على إيجاد خطاب مشترك.. فلا شك أن مجتمعنا تتنع فيه المكونات من الطائفة والقبيلة وغيرها.. ومن الهام العمل على إيجاد خطاب مشترك وثقافة مشتركة وشعور وطني مشترك ، بحيث يشعر كل مكون أن الوطن يعبر عن ذاته وتطلعاته المشروعة .. وهذه عملية ليست سهلة، وهناك نظريات مثل نظرية الدمج القسري، والدمج المتسامح وغيرها..

وحين قراءة التاريخ نجد ا ن أي مكون يمارس ضده الإقصاء والدمج القسري فانه يمارس سياسة الاحتماء.. فينكفئ على نفسه ويقوم بإنتاج ثقافة خاصة وهي بلا شك ستكون مغلقة.

اعتقد أن الدعوة للشيعة أن يتخلوا عن عنوانهم الشيعي لا تتم بهذه الصورة، خصوصاً أن الشيعة لفترة طويلة كانوا محرومين من التعبير عن ذاتهم، وقد أخذ الشيعة خاصة مع ظاهرة  القنوات الفضائية الشيعية الخاصة مساحات في التعبير عن الذات ، وهو أمر صحي ومن الطبيعي أن تحث نقلة للتقارب مع الآخر في ظل تشابك العلاقات في إطار الوطن .

رسالة الحسين : التراث الشيعي تراث غني ومتشعب وضخم.. ولكن إسهام الشيعة في المشروع الوطني إسهام ضعيف لا يتناسب وهذا التراث الكبير.. ما هو السبب؟ هل لدينا قصور في التنظير الفكري السياسي؟

الدكتور سامي خليفة: المشكلة حقيقية، وأعتبر المشكلة الأساسية هي تمس دور العلماء فهم لم يأتوا بشيء جديد في هذا الشأن.. ولعل المشكلة أن الشيعة عبر تاريخهم  لم يعيشوا تجربة الدولة حتى الثورة الإسلامية في عام 1979. فحتى هذا التاريخ لم تقدم نظرية في إدارة الدولة، والعلماء توسعوا في أبواب الفقه المختلفة من العبادات والمعاملات بشكل تفصيلي كبير ولكن في مسألة الدولة فالبحث والاجتهاد كان قاصراً جداً. وما ورثه الشيعة اليوم من أسس التعامل مع الحكم هي شحيحة لا تسعف بشيء.

أيضاً الخطاب الشيعي عادة ما يقلق الحكومات، فهو غالباً ثوري، يركز على المظلومية والظلمة والعدالة وضرورة إزاحة الظلمة.. لذا ما لم يدرك الشيعة التوافق على نقاط خطاب تطبع مع الأنظمة ستبقى الحالة العدائية والإقصائية والانعزالية.

من جهة ثالثة لدينا مشكلة تتعلق بموضوع الانقياد للمرجعية. فالمرجعية لا تحدها حدود جغرافية. ففي الإطار العلمي الديني تعتبر الانقياد للمرجعية واجبة لدى عموم الشيعة، مما قد يوحي بارتباط الشيعة بالخارج. هذا الأمر يحتاج إلى إدراك أكبر وفهم أوسع حتى لا تختلط الأمور بين الواجب الديني والواجب الوطني. والمطلوب هو الفهم المشترك سواء من الشيعة أو من الآخر في الوطن.

رسالة الحسين : يشار بالبنان إلى الشيعة على مستوى البذل والعطاء في ساحتهم، ولكن في قطف الثمار هم آخر من يعمل على ذلك.. والبعض يرجعه إلى أن الشيعة لا يجيدون التحالفات السياسية.. اليوم في الكويت يبدو أن الشيعة غيروا مسارهم باتجاه بناء تحالفات.. هل في ذلك تغير في اجتهاد الشيعة في التعامل مع الحكومات؟ أم مجرد ظرف تاريخي؟

الأستاذ حسن العطار: السياق العام أن الشيعة في هذه المرحلة في حالة نهوض  من خلال تراكم التجارب وحراك فكري  . وهو يتلاقي في المشهد الكويتي مع حراك سياسي شامل سواء على مستوى مؤسسة الحكم  أو الشارع أو التجمعات ، وهذا يتيح صياغة تحالفات سياسية جديدة.. بفضل الانفراج النسبي في المناخ السياسي والثقافي فإن الشيعة اليوم أمام لحظة تاريخية مميزة ، يمكن أن يمارسوا فيه دور الوسط ، لان الفكر الشيعي يقوم على العقلانية ، وفيه مساحة كبيرة للحرية ورؤيته للمرأة متقدمة عدا الزخم الأخلاقي والفكري ، تمكن الشيعة من التقاطع مع جميع المكونات .

وغياب الرؤية المنهجية يعود إلى عدم  وجود إطار يبحث الشيعة رؤيتهم ومنهجيتهم  من خلاله واقعهم وآفاق مستقبلهم .. فالتحالفات الراهنة  هي ردّ فعل ، لا تخلو من نسبة مغامرة قد تضل البديل المتاح في هذه المرحلة .

دكتور صلاح الفضلي: اعتقد بمجرد القول أن ما يجري هو ردة فعل فلا أرى فيه تطور، لأن التحرك عشوائي. حزب الله في لبنان تحركه ينبع من رؤية واضحة متطورة.. أم عندنا ما هي رؤيتنا ؟

رسالة الحسين: صحيح أن هناك غياب للرؤية والمنهجية، ولكن البعض في تحالفاته واندفاعه لبناء علاقة مع الحكومة يعطيها رؤية تتعلق بقوة الطائفة وتحريرها من وهم العداء مع السلطة؟

دكتور صلاح الفضلي: جيد أن تكون للبعض رؤية، ولكن دعنا نسأل ما هي الثمار التي جنيناها؟ أنا اعتقد لا يوجد شيء! من الخطورة تبني أطروحات معارضة للتوجهات الوطنية بسبب التحالف مع السلطة كموضوع تبني الحل غير الدستوري مثلاً.. هذا يضر أكثر مما ينفع النهضة الشيعية. نعم العلاقة يجب أن تكون مع النظام جيدة ولكن علينا أن لا نفقد بوصلتنا المبدئية.

الدكتور سامي خليفة: نحن لا نستطيع أن نقول أن هذا الوضع هو قناعة كاملة للشيعة، بل حالة اضطروا للتعامل معها، ويجدون فيها الكثير من تحقيق المصالح. ولكن ماذا تنتج هذه الحالة؟ وما هي الثمار؟ والى أين تصلنا؟ أعتقد حتى كبار القادة في الواقع الشيعي لا يستطيعون الإجابة على هذه الأسئلة.

وهناك ثمن لهذا المسار، وهو أن ما كانت بعض القوى الشيعية تعتبره محرمات وهو إدخال التجار في المعادلة السياسية، أصبح الواقع اليوم أن هذه القوى تقاد من قبل المال السياسي وأصحاب النفوذ!

اعتقد أن السبب الأساس في هذا التخبط في الواقع الشيعي هو غياب دور العلماء وطغيان دور النخب السياسية.

الأستاذ حسن العطار: أولا : اعتقد أن تجربة حزب الله تطورت لوجود قضية واضحة شكلت محور المشروع ومن خلالها تصاغ المواقف والتحالفات ، كذلك الشيعة في العراق كان قضيتهم تحرير العراق وانهاء حقبة الاستبداد وبناء نظام تعددي لاستيعاب التنوع العرقي والمذهبي ، ولنا أن نتساءل هنا ما هي قضية الشيعة في الكويت  التي يمكن أن تشكل بوصلة التحالفات  ؟ فالليبراليين قضيتهم الحريات ، والإسلاميين السنة أولويتهم  تطبيق الشريعة أما الشيعة فلم تتبلور لديهم قضية . 

ثانيا : أعتقد أن هناك غياب لآليات صنع القرار وبلورة الرؤية في الوسط الشيعي فالعلماء يعانون من تعقيد الوضع الشيعي ، أما النخب السياسية فقد أصبحت إمبراطوريات صادرت الأدوات الثقافية والإعلامية وجميع الأدوات.. ولا توجد علاقة تداول وتبادل في إطار التيار الواحد وثقافة النقد والمراجعة  غير موجودة.. فصار الواقع الشيعي يتم اتخاذ القرار فيه في دائرة ضيقة.

دكتور صلاح الفضلي: علينا أن نستلهم من التجربة العراقية حيث يكون للعلماء دور الرقابة العامة والإرشاد العام دون الدخول في التفاصيل.

رسالة الحسين: من الواضح أن ما تم من إنجازات وإسهامات للشيعة في البناء الوطني جاءت نتيجة جهود رجال تاريخيين ، ومع رحيل جيل من الرواد فهل هناك قلق حقيقي من افتقار الساحة الشيعية إلى جيل قيادي ؟

الأستاذ حسن العطار: تناوب على قيادة شئون الطائفة في الإطار الوطني كل من التجار ، وفي أعقاب الصحوة الدينية التي انطلقت في أوائل السبعينات صعد نجم التجمعات والتنظيمات الدينية ، التي اضطلعت بدور ريادي في الارتقاء بالتجرية الشيعية وتطوير الخطاب النهضوي ، واليوم نحن في مرحلة انتقالية حيث نشهد رحيل جيل من الرواد ، وهناك مساحة من القلق بسبب غياب آليات واضحة لصنع وارتقاء القيادات ، فعلى مستوى التنظيمات الدينية هناك قيادات تاريخية وهناك صفوف من الأجيال تنتظر دورها ، ولكن هناك انسداد في آلية التداول القيادي مما يسبب الاحباط ، وعدم تطور المسيرة ، كما شاهدنا أثره في تراجع بعض التيارات ، لصالح دخول ظاهرة ( المستقلين ) ،  كما أن عودة  بروز التجار على المستوى القيادي للطائفة بحاجة إلى تقنين وتجسير مع الحلقات الأخرى ، فالملاحظ محاولة بعض الفعاليات الاقتصادية  توظيف السياسي والفقيه والمثقف من خلال المال. وهذا شيء يؤرق كثيراً.

مما يؤكد حاجة الكيان الشيعي بلورة آلية لكيفية صناعة قيادات جديدة ضمن رؤية تكاملية ، كي لا يصادر السياسي دور الفقيه ، والتاجر دور المثقف والمثقف دور الجماهير !

الدكتور صلاح الفضلي : الذي يصنع الفارق هم هؤلاء الرجال الأفذاذ، فهناك علماء دين تقليديين، وهناك من لديه مشروع كالإمام الخميني وكموسى الصدر وكالسيد محمد باقر الصدر الذي أراد من المرجعية أن تتحول إلى مؤسسة.

في الكويت نعم لدينا غياب حقيقي للقيادات المثقفة التي توجه الساحة. فما هي رؤيتنا للامتزاج مع مشروع النظام أو مشروع الوطن؟

رسالة الحسين: مشكلة القيادة هل هي مشكلة في العمق؟ هل هي مشكلة حوزات ومرجعيات ومناهج؟

الدكتور سامي خليفة: المجتمع بحاجة لقيادة والى مشروع. التجربة الكويتية يمكن قراءتها والاستفادة منها. ففي السبعينات تأثرت الساحة الكويتية بالمدرسة الفكرية العراقية، وأشبعت بغذاء فكري روحي مهم. وفي أواخر السبعينات ظهر في الكويت قيادات فكرية شيعية كويتية، واستطاعت أن تساهم بكثير من الحراك السياسي والاجتماعي والديني، وساعدها الثورة الإسلامية في إيران، والتي أيضا ساهمت في إيجاد مدرسة أخرى للتعاطي مع الأوضاع تختلف نوعا ما عن المدرسة العراقية. فقد تم طرح مشروع الدولة، وكيفية التعامل مع هذا الجديد في الواقع الشيعي.

وفي التسعينات وبعد تحرير الكويت بدأ خطاب جديد، فتصدى نفس قيادات السبعينات والثمانينات للواقع السياسي ولكن بخطاب جديد وتعاطي مع النظام بشكل مرن.. ولكن مع بدايات الألفية الثالثة ظهر جيل جديد لم يكن قد ارتوى من تجربة السبعينات والثمانيات ولديه تجربة سياسية غير ناضجة.. هنا كان الصراع والتنافس.

أعتقد أن القلق كل القلق من هذا الجيل الجديد الذي ليس لديه تجربة وليس لديه قيادة يستطيع أن يستظل بها. وللأسف هذه الحالة هي التي تقود الساحة.

والعلماء عليهم أن يدركوا هذا الخطر ويتداركوا هذا الوضع.

رسالة الحسين: كما يبدو يصعب على من هو خارج الدائرة الشيعية أن يتصور ارتباط الشيعة بنظام المرجعية في إطار انتظامهم في إطار الدولة والانتماء للوطن . فكيف يمكن توصيف العلاقة ؟

دكتور صلاح الفضلي: الشيعة كانوا عبر التاريخ يشكلون المعارضة، وهي إشكالية ترتبط بالفقه ، فالفقه السني يركز على إطاعة الحاكم مهما كان الظلم الذي تتعرض له.. أما الفقه الشيعي فانه يركز على مواجهة الظلم وعدم الركون للذين ظلموا.. وهذا الاجتهاد الفقهي يجعل عادة العلاقة بين الأنظمة والشيعة في أوطانهم علاقة ملتبسة وقلقة وغير مستقرة.

من جانب آخر، الاتجاه التكفيري الذي يوجه سهامه دائماً باتجاه الشيعة، مما جعل الشيعة يواجهون ضغط عنيف من الأنظمة ومن الآخر المذهبي الذي يتعامل معه بتوجس وخيفة. وهذه الحالة خلقت حروب وصراعات عنيفة في الساحة الإسلامية.. النظرية السياسية للشيعة ترتبط بالولاية المعصومة في عصر الحضور أو بولاية الفقيه في عصر الغيبة.. وهي نظرية يمكن أن تطبق في مجتمعات أغلبية شيعية، ولكن ماذا بشأن المجتمعات التي الشيعة يمثلون أقلية؟

اليوم يجب على الشيعة أن يساهموا بفاعلية في بناء الوطن، ويرفعوا حالة الخوف المزمنة من الشيعة. لسنا أمام خيار واحد أما أن أتمسك بعقيدتي المذهبية أو اندمج في المشروع الوطني.. وهذا قد يكون نظرياً مقبول، ولكن عملياً هو منتفي تماما.. فالسؤال ماذا إذا تعارضت فتوى المرجع الديني مع مصلحة الوطن.. هذا سؤال افتراضي غير صحيح، فلا يوجد مرجع يقول أطع أمري ضد مصلحة وطنك.. فالعلماء والمراجع أناس حكماء يراعون مصالح الأوطان.. ولعل من الجيد الاستشهاد بالإمام علي عليه السلام الذي أقصي من الخلافة وهو أحق بها من غيره يقول: "والله لأسلمنَّ ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن به جور إلا عليّ".

الأستاذ حسن العطار: لا اعتقد علاقة الشيعة بالمرجعية تمثل إشكالية على الصعيد النظري أو العملي.. فتاريخيا لم تكن المرجعية إلا دافعا للالتحام الوطني، وفي تجربة العراق الحاضرة حيث موجة الاقتتال الطائفي، شكلت المرجعية ستارا وحاجزا أمام أي انزلاق في استحلال دماء الآخرين. وكذلك إبان الغزو الصدامي للكويت كان للمرجعية دورا مشرفا .

وعلى المستوى النظري تمس قضية الارتباط بالمرجعية بالعلاقة بين ما هو سياسي وديني والفضاء الديني لا يحد بالجغرافيا ، وللتقريب يمكن قياسها على أوضاع أخرى طرأت على المستوى العالمي فهناك على سبيل المثال تحولا في مفهوم السيادة لصالح فكرة حقوق الإنسان ، تتيح للنظام العالمي ممثلا بالأمم المتحدة التقاطع مع الشأن المحلي للدول ، رأينا مصداقيتها في تحرير الكويت. وفي قضية اقرار حقوق المرأة السياسية ،  حتى في الرياضة يطرح الاشكال عن كيفية التعامل مع الفيفا في علاقتها مع الشأن الرياضي المحلي ، ويمكن قياس ذلك على الشأن الآعلامي والقنوات الخاصة التي تتناول الشأن المحلي للدول والشعوب .

فما عادت إشكالية في نظام العولمة أن يكون هناك علاقة تفاعلية بين مواطن وإطار مرجعي سياسي أو اعلامي من خارج الحدود.. والعبرة في الممارسة والعمل كمرجعية نراها تدعم السلم الاجتماعي وإدماج الشيعة في أوطانهم. والشيعي لا يشعر بحالة من الازدواجية في علاقته بالمرجعية وعلاقته بالوطن.

-------------------

- المصدر : نشرة (رسالة الحسين) الموسمية التي يصدرها منتدى القرآن الكريم في الكويت كل محرم – العدد 3 ، 4 (على حلقتين) – محرم 1431هـ (السنة الحادية عشرة)


الصفحة الرئيسية - القرآن وتحديات العصر - آفاق المشروع الشيعي - المؤمن المتمدن - حوارات - تقارير - أنشطة وبرامج

حقوق الطبع والنشر محفوظة © منتدى القرآن 2004-2010