إحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام) بين الغلو والتوهين

رسالة الحسين

المقالات التي لا تصدر عن المنتدى لا تعبر بالضرورة عن رأي المنتدى

  طباعة
القرآن وتحديات العصر
آفاق المشروع الشيعي
المؤمن المتمدن
حوارات
تقارير
أنشطة وبرامج



مقدمة:

نظرا لخطورة المسئولية الملقاة على جيلنا بشأن إحياء أمر أهل البيت عليهم السلام استطلعت نشرة (رسالة الحسين) آراء مجموعة من العلماء الفضلاء من الكويت والبحرين والسعودية لوضع الخط الفاصل بين الغلو والتوهين ورسم الجادة الوسط بينهما مما أمر به أهل البيت عليهم السلام.

رسالة الحسين: في ظل النهوض الشيعي المتواصل تتجاذب الوسط الشيعي أولويات متباينة، فتيار يرى الأولوية في التبشير العقائدي،  وتيار آخر يرى الأولوية في بلورة رسالة التشيع إلى العالم كبديل حضاري .. فكيف ترون ذلك؟

سماحة الشيخ حسين المعتوق (الأمين العام للتحالف الإسلامي الوطني): الأولوية إنما تفترض مع وجود التزاحم وعدم إمكان الجمع بين الأمرين في مقام العمل، وأما إذا كان كلا الأمرين ممكناً من دون أن يكون أحد الأمرين على الحساب الآخر فلا بد من كل أمر من الأمرين في موقعه المناسب له، فالمطلوب منا أن نبين معتقداتنا التي لا يمكن أن تُفصَل عن طرح التشيع ومدرسة أهل البيت (عليهم السلام) كمشروع إسلامي حضاري يمتلك رؤية متقدمة في جميع المجالات، ولكن بيان العقائد مطلوب لأجل أن يتعرف الناس على الحقيقة وليس لأجل صنع معارك مذهبية تؤدي إلى تشتت الأمة وتفرقها وبالتالي ينتهي الأمر إلى تضييع سائر التقدم في حركة الأمة الإسلامية، وبعبارة أخرى المطلوب هو بيان معارف أهل البيت (عليهم السلام) بالحكمة والموعظة الحسنة وهو ما يمكن أن نسميه أيضاً بالتبشير العقائدي، ولا نقصد به أن نقوم بمواجهة لمذاهب إسلامية أخرى التي يفترض أن نشترك معها فيما نشترك فيه من فهم المعارف الإسلامية، بل نقصد بالتبشير بتلك المدرسة بأن نبين للأمة حقيقة تلك التعاليم التي طرحها الكثيرون بطريقة مشوهة ولا علاقة لها إطلاقاً بمدرسة الأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، وأيضاً من المهم أن يستمر ما هو واقع من تعميق طرح التشيع كمشروع حضاري متكامل، فقد طرح الأمر بشكل عملي وواقعي مع بداية الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الراحل الخميني (قدس سره) وكان منشأ لانتشار تعاليم تلك المدرسة العظيمة للأئمة الأطهار (عليهم السلام)، ولا زال يطرح كمشروع حضاري متكامل عبر مختلف مواقع الحضور الشيعي في لبنان وفي العراق وفي سائر مواقع تواجد الشيعة، وعلينا أيضاً أن نواجه التحجر الفكري داخل بعض من يعتبرون أن فكرهم ينتمي إلى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) .

وبعبارة مختصرة المطلوب منا في هذه المرحلة طرح المفاهيم الإسلامية والمعتقدات الدينية بالحكمة والموعظة الحسنة وبما يتناسب مع الواقع الذي نعيشه وبما تقتضيه مقتضى الحال بعيداً عن التصادم والصراع، وبحيث يؤدي ذلك إلى وعي الأمة ويساهم في تكريس الوحدة الإسلامية والعمل المشترك بين سائر أبناء أمتنا الإسلامية على مختلف أطيافهم ومذاهبهم.

رسالة الحسين: تشهد القنوات الشيعية إقبالاً متزايداً من الجمهور في الدائرة الشيعية والدائرة الإسلامية العامة، فهل نجحت في توظيف الآليات المعاصرة في إحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام)؟ أم أنها لا تخرج عن إنتاج ثقافة خاصة مغلقة على أبناء المذهب أو كما يزعم البعض أنها حسينية فضائية؟

سماحة الشيخ عباس آل جابر (إمام مسجد الإمام الباقر عليه السلام): حينما نريد أن نقيّم أداء القنوات الفضائية الشيعية عموماً وما يرتبط بقضية واقعة الطف خصوصاً، فإن أمامنا معيارين للتقييم:

المعيار الأول: التقييم المهني المعتد لدى الإعلاميين من أهل الإختصاص، ولعل كلمتهم أجمعت على أن هذه القنوات لا تمتلك مقومات العمل الفضائي بالمنظور المهني على الصعيد الفني والموضوعي. يقول الدكتور إبراهيم حسين آل شبيث المقدم في القناة الثانية السعودية: إن الكثير من القنوات تحتاج إلى الدعم المادي حتى تستطيع أن تقدم إعلاماً حقيقياً يقدم مذهب أهل البيت (عليهم السلام) بلغة العصر وليس كأنها مجرد حسينية فضائية، وتجمع الشركات المتخصصة في تصنيف القنوات الفضائية على أن هذه القنوات فقيرة إلى حد كبير فنياً وموضوعياً.

المعيار الثاني: التقييم بالمحصلة والنتيجة، وبعيداً عن تقييم أهل الإختصاص فإن بعض القنوات الشيعية سجلت حضوراً متميزاً بين القنوات العربية المختلفة بل إن بعضها نافس على المراتب الأولى، وهذا يعني أن هذه القنوات تملك قوة جذب يجهلها معظم أهل الاختصاص وعليهم أن يتوقفوا ملياً لمعرفة ما تمتلكه هذه القنوات من أسباب الجذب الجماهيري الواسع، الأمر الذي دعا بعض الإعلاميين كالكاتب الدكتور مالك الأحمد إلى القول: إن شيوع القنوات الشيعية وسعة جماهيرها أصبح أمراً ملحاً لرصدها وتحليل خطابها وتأثيرها المتوقع على المشاهد العربي، وهذا لم يحظ بدراسة شاملة خصوصاُ لدى الدعاة والمصلحين في العالم العربي.

عوامل القوة في القنوات الشيعية

أولاً: أنها قنوات دينية ومحتمعاتنا -والحمد لله- هي مجتمعات محافظة ومتمسكة بدينها رغم الحصار الإعلامي المفروض عليها منذ القدم، بدءاً من عهد بني أمية والذي تمثل حملة شرسة ضد مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وتلفيق الأكاذيب والأباطيل لتشويه عقائدهم، واستمر هذا الأمر إلى يومنا هذا، وهذا الإنتشار للقنوات الدينية ليس منحصراً في القنوات الشيعية، بل إنه عالمي خصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وذلك في الولايات المتحدة الأمريكية وبقية الدولة الغربية، وهذا ما يؤكده تحقيق لموقع (كولومبيا جورنالزم ريفيو) المتخصص في الإعلام، ويقول الصحفي الأمريكي تيم كرايدل الذي غطـّى ظاهرة إنتشار القنوات الدينية: أصبحت القنوات الدينية أكثر شبابية للوصول إلى الجمهور.

ثانياً: إن هذه القنوات أصبحت منبراً إعلامياً ضخماً لصنع الرؤى والأفكار وتوجيه المعتقدات وكسر الأغلال المفروضة على الفكر الشيعي، وتمزيق الأباطيل التي نسجتها قوى التطرف على مدى قرون مديدة.

ثالثاً: الخطاب العاطفي وهو ملموس جداً في القنوات الشيعية بل هو المسيطر عليها، وكذلك الأسلوب العاطفي المتمثل في الصورة الحزينة، والتي تُظهر أهل البيت (عليهم السلام) كعظماء الأمة ومنارات للاقتداء، وقد ظُلمواخصوصاً ما يرتبط بتفاصيل عاشوراء ومقتل الحسين بن علي (عليهما السلام) سبط رسول الله وقرّة عينه الذي هو عبرة كل مؤمن أو كما قال الحسين (عليه السلام) واصفاً نفسه "أنا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن إلا بكى". ويمثل الأسلوب العاطفي أيضاً في الصوت، ويقول الكاتب مالك الأحمد: الشيعة أهل الندب واللطميات والحسينيات استخدموا الشعر العربي الفصيح والعامي بطبقاته وأنواعه كما استخدموا النبرات الصوتية القوية الملحنة والحزينة، بل يمكن وصف الشيعة بأنهم ظاهرة صوتية حقيقية، فيكفي أن تسمع لخطبائهم في الحسينيات وكيف أنه يحرك أشجانك، بل لو تأمل أحدنا الحضور في المناسبات الشيعية وشاهد تأثير الخطيب على الحضور لفوجئ من ندرة غير الباكين!!.

رابعاً: الزخم الكبير لواقعة الطف حيث أن كل شيعي يجد نفسه مرتبطاً بهذه الفاجعة الأليمة، ولزاماً عليه التفاعل معها سواء بالمشاركة في المجالس الحسينية أو مواكب اللطم والعزاء، وهذه مادة إعلامية تميز به الإعلام الشيعي دون سواه. يقول الأستاذ زكريا شيخو: الفارق الأساسي أن بقية المسلمين لا يتعاملون مع قتلاهم كنماذج مأساوية بينما الإعلام الشيعي يتعامل مع القتيل كما لو أنه حدث عائلي خاص يعاد إنتاجه على الدوام.

وفي سياق آخر يشير شيخو إلى أن مناسبة كربلاء التي يتم العرض لها سنوياً عشرة أيام متوالية مع قدوم مناسبة عاشوراء تستطيع أن تترك وحدها كبير الأثر المذهبي دون التعرض لأي أحد.

وحقاً إستطاعت القنوات الشيعية في هذا السياق أن تقدم عرضاً تفصيلياً لواقعة الطف بأسلوب متميز يظهر فيه كافة التفاصيل، كما وأنها ساهمت في نقل المسيرات الجماهيرية في أنحاء العالم الإسلامي خصوصاً في كربلاء ومواكب اللطم والعزاء ومواكب التشبيه . . بل إن القنوات أذهلت القاصي والداني حينما نقلت مراسم العزاء في مختلف بقاء العالم كتركيا وتايلند وأفريقيا . .

وختاماً: أدعوا الأخوة الذين دأبوا على التقليل من شأن هذه القنوات المباركة أن ينظروا إلى الواقع بعين سليمة ليروا كم ساهمت هذه القنوات في التعريف بمذهب أهل البيت (عليهم السلام) وأزالت غشاوة الإعلام المضلل عن الكثيرين وبددت أباطيل قرون مديدة من الكذب والافتراء على الموالين لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) مع اتفاقنا مع أهل الإختصاص في ضرورة تطويرها فنياً وموضوعياً، وأن نستفيد من معطيات الحداثة، ونوظفها في خدمة فكر أهل البيت (عليهم السلام) بأساليب مقننة ومدروسة، تشمل جميع المستويات والأصعدة، وتنسجم مع الأطروحات العلمية، ولتكن وبكل فخر واعتزاز حسينيات فضائية، فإن كل ما لدينا من خير وصلاح وفكر وثقافة مصدره الحسين (عليه السلام) والحسينيات.

رسالة الحسين: لم تخلو مسيرة التشيع تاريخيا -رغم ما حققته من تقدم- من بروز تيارات الغلو التي تبرأ منها أهل البيت (عليهم السلام) وردوا أفكارها، فهل تنظرون اليوم بقلق إلى بعض موجات الغلو والتي تعبر عن ذاتها عبر فتاوى التسقيط أو أشكال أخرى؟ وكيف يمكن تحصين المذهب من أي اتجاهات مغالية؟

سماحة السيد محمود الموسوي (من علماء البحرين) : يمكننا أن نتناول الغلو كحراك في المجتمعات الدينية بشكل عام وفي الداخل الشيعي بشكل خاص، عبر طبيعة مقولة الغلو، التي قد يراد منها ذلك الغلو الإصطلاحي، والآخر اللغوي.

أما الغلو الإصطلاحي الذي يعني تنزيل المخلوقات منزلة الخالق، فيتم الإعتقاد بإلوهيتها وربوبيتها من دون الله تعالى، فمما لا شك فيه أن هذا النوع من الغلو ليس هو المقصود في التناول، لأنه مساوق للكفر بل هو الكفر بذاته، وهذا واضح فساد منحاه، ومن الصعب أن نجد من يمكنه أن يتبنى هذا التوجه في العصر الراهن.

أما الغلو اللغوي الذي يعني المبالغة ومجاوزة الحد والإفراط في الشيء، أي الخروج عن حد الإعتدال، والدين مبني على الوسطية والإعتدال كما هي توجيهات القرآن الكريم وأهل البيت (عليهم السلام)، فهذا النوع هو من المشكلات الفكرية والمجتمعية على حد سواء.

فالغلو والتطرف منشأه دائرة الفكر، ثم تتحرك نتائجه إلى دائرة الجتمع، ليكوّن الأزمة والفتنة التي تسبب الوهن والفشل للدين والمذهب على المستوى الحضاري، ونحن إذ نعيش في عصر يتصل أوله بآخره عبر التكنولوجيا، فإن آثار هذه الظاهرة تكون أكبر وأعمق، وبالفعل لقد لاحظنا نتائج وإفرازات لهذا الغلو، تمثلت في التعصّب، والتسقيط والتساهل في التكفير وعدم الإحتياط في الحرمات، والإنشغال بالنزاعات ومواطن الإختلاف.

ولعل أهم الأسباب التي أدت إلى مثل هذا التوجه في الأمة هي ثلاثة:

1/ القراءة المبتورة للنصوص الدينية، فلا ينظر في تكوين الفكرة والموقف إلى نصوص الدين (القرآن وروايات النبي وأهل بيته) بشكل كلّي، لتتكامل الرؤية بأبعادها، وإنما يكتفون بأجزاء من النصوص، بينما توجيهات أهل البيت (عليهم السلام) تقول: أن العالم من عرف معاريض كلام أهل البيت (عليهم السلام)، ووعى رواياتهم وعي دراية.

2/ عدم الإعتناء بالمقاصد الكبرى للدين، كحرمات الإنسان، وكالتعايش السلمي، وضرورة وأد الفتن، وهذا يجعل الإنسان يقدّم العذر الفردي البسيط على الهم المجتمعي الكبير، كما أنهم يقيّمون الأفراد والمواقف تقييماً لفظياً على حساب التقييم القيمي الذي يراعى فيه الأبعاد المختلفة للدين في الحياة.

3/ لا يضعون في حساباتهم إحتمالية الخطأ، وهذا يعني إعتقاد العصمة في أنفسهم عملياً، والحال أن الإمام علي (عليه السلام) يقول: "قد يزل الرأي الفذ"، فأن ينزل الإنسان نفسه منزلة المعصوم ويبيح لنفسه تخطي كل المحرمات ويتعدى على كافة الحرمات، فهذا نوع من الإنحراف.

إلا أن منهج الإسلام في الإعتدال، وتبني الدعوة لأهل البيت (عليهم السلام) بزينة أخلاقهم، وببيان محاسن كلامهم، وبنور علومهم، في كافة مجالات الحياة، ومنهج القرآن في الدعوة إلى الله بالتي هي أحسن، وبالحكمة والموعظة الحسنة، وعبر التكامل مع الآخرين والتعاون معهم في الخيرات، والتركيز على المقاصد الكبرى للإسلام، يمكن أن يتلاشى حس التطرف، وبهذا تتخطاه الجهود المخلصة، ولنا في آيات القرآن الكريم وروايات أهل البيت (عليهم السلام) خير منهج في التعاطي مع الحياة بمختلف تحولاتها.

-----------------

- المصدر : نشرة (رسالة الحسين) الموسمية التي يصدرها منتدى القرآن الكريم في الكويت كل محرم – العدد 1 – محرم 1431هـ (السنة الحادية عشرة)


الصفحة الرئيسية - القرآن وتحديات العصر - آفاق المشروع الشيعي - المؤمن المتمدن - حوارات - تقارير - أنشطة وبرامج

حقوق الطبع والنشر محفوظة © منتدى القرآن 2004-2010