الإمام الحسين (عليه السلام) . . ثورةٌ نحو تأصيلِ فقهِ الحياة

الشيخ حسن البلوشي

المقالات التي لا تصدر عن المنتدى لا تعبر بالضرورة عن رأي المنتدى

  طباعة
القرآن وتحديات العصر
آفاق المشروع الشيعي
المؤمن المتمدن
حوارات
تقارير
أنشطة وبرامج



يمثل الفقه على المستوى النظري حلقةَ الوصلِ بين المبادئ العامة أو الرؤية الكوينة للإنسان والسلوك اليومي بمختلف مجالاته. وهو على المستوى التاريخي للحضارة الإسلامية يُعتبر أحدَ أغنى الحقول العلمية التي تواردت عليها عقول وأيدي العلماء، حتى قيل عن هذه الحضارة أنها "حضارةُ الفقه". كما أنه على المستوى العملي يُعتبر أكثر العلوم الدينية التصاقاً ورواجاً وشعبيةً عند عامة الناس.

والحالة عند الشيعة الإمامية تتضاعف بمختلف مستوياتها، فهو أغنى وأعمق وأكثر أصالة على المستوى النظري، ومن حيث الكم –لعله- يعد أكثر سعةً وتشعباً، كما أنه على المستوى العملي، ولأسباب عديدة على رأسها نظام المرجعية الدينية لدى الشيعة، يُعتبرُ أكثر التصاقاً ومساساً بسلوك الفرد الشيعي.

هذه الحالة للفقه في الإطار الإسلامي عموماً وفي الإطار الشيعي خصوصاً جعلته مسألة بالغة الحساسية والأهمية، بحيث يؤثر في مصير الأمة بصورةٍ مباشرةٍ وعميقةٍ. من هذه الزاوية حُمِّلَ الفقهاءُ مسؤوليةً ثقيلةً في عملية الاستباط والاجتهاد بحيث يكون الفقه معبراً عن الأصالة وفي الوقت نفسه مستجيباً لمتطلبات الحياة المستجدة.

وبالرجوع لتاريخ الاجتهاد لدى فقهاء الإمامية سنجدهم قد تحمّلوا المسؤولية في أدوارٍ مختلفة في التاريخ، وفي ظروفٍ متنوعةٍ، وقد كانت حركة الاجتهاد تتسم بالأصالة والحيوية تارة، وتُصاب في فترات أخرى بالخمول والجمود، لكن الإطارَ العامَ لها كان في الأعم الأغلب في اتجاه المعاصرة والتجدد جيلاً بعد جيل.

ولعل أحدَ أهم العناصر التي ساهمت في جعل الفقه لدى الشيعة فقهاً حيوياً معاصراً هو وغوله في "الواقع" بهذه الدرجة أو تلك. صحيح أن الشيعة أقصوا من بعض مناحي الحياة العامة في فترات معينة، لكنهم في فترات أخرى تصدروا مُقدَمَةَ الأمةِ مما أتاح لهم الفرصة لتطوير فقههم وتجديده. من هنا فإن "الواقع"  يعتبر عنصراً مهماً للفقيه لتأصيل وتطوير عمليته الاستنباطية، وذلك لما يمثله الواقع من حيزٍ لتطبيق الفقه، ومجالٍ تتشابك فيه المسائل بصورة معقدة، وموردٍ لوعي المبادئ العامة.

النظر بعين الواقع استناداً إلى المبادئ العامة يتيح للأمة فرصة المصالحة مع عصرها الذي تعيشه فيه على مستوى التكيف والمرونة، وعلى مستوى التغيير والتقدم. وهي ذاتها عملية الموازنة بين الثوابت والمتغيرات. وهذه إحدى التحديات التي تواجه الفقيه اليوم ليُمكِّن الأمة من ممارستها دورَها الفاعل ضمن بيئتها الواقعية، وهو ما يسمى بتفعيل "فقه الحياة".

وثورة الحسين (عليه السلام) كانت إحدى أهم الأمور التي ألهمت الفقيه الشيعي روح الاجتهاد المعاصر لما مثلته أولاً: من مبادئ وقيم شكلت روح الثوابت. وثانياً: من سلوك عملي يأخذ بالفقيه إلى أرض الواقع لينظر في المتغيرات، ويَتَأوَّلَ القيم عليها. وثالثاً: من حماسة تُلهم الفقيه روحَ الشجاعة والمثابرة في الجرأة والجهر بالرأي الحق في وجه أعتى الظلمة، وفي مواجهة أسوء الظروف.

فكان الحسين (عليه السلام) كما جدُهُ المختار (صلى الله عليه وآله وسلم) طبيباً دواراً بطبّه، وأميناً على وحي ربّه، ومصلحاً لواقع أمته . . وبهذا كان "وَارِثَ مُحَمَّدٍ حَبِيبِ اللَّهِ"، الذي وعد المسلمين بالحياة الطيبة، ورَفْعِ الأغلال والآصار عنهم، (فَأَشْهَدُ أَنَّكَ ابْنُ النَّبِيِّينَ وَابْنُ سَيِّدِ الْمُؤْمِنِينَ وَابْنُ حَلِيفِ التَّقْوَى وَسَلِيلُ الْهُدَى وَ خَامِسُ أَصْحَابِ الْكِسَاء)، وبهذاكانت ثورة الحسين (عليه السلام) ثورة نحو تأصيل فقه الحياة.

----------------                    

- المصدر : نشرة (رسالة الحسين) الموسمية التي يصدرها منتدى القرآن الكريم في الكويت كل محرم – العدد 3 – محرم 1431هـ (السنة الحادية عشرة)


الصفحة الرئيسية - القرآن وتحديات العصر - آفاق المشروع الشيعي - المؤمن المتمدن - حوارات - تقارير - أنشطة وبرامج

حقوق الطبع والنشر محفوظة © منتدى القرآن 2004-2010