الاقتصاد السعودي وارتباطه بالاقتصاد الصهيوني

د. علي أبو الخير

المقالات التي لا تصدر عن المنتدى لا تعبر بالضرورة عن رأي المنتدى

  طباعة
القرآن وتحديات العصر
آفاق المشروع الشيعي
المؤمن المتمدن
حوارات
تقارير
أنشطة وبرامج



مقدمة :

ارتبط الاقتصاد السعودى بعجلة الرأسمالية الغربية منذ تأسيس الدولة الثالثة الموجودة حتى الآن على الساحة العربية والإسلامية والدولية .

لقد اقتصرت موارد السعوديين فى الدولة الأولى على الغارات التى كان يشنها البدو على غيرهم من القبائل ، منذ كانوا بعد أن يتغلبوا عليهم يأخذون أموالهم ونخيلهم ودوابهم ثم يسترقونهم لبيعهم فى أسواق النخاسة كمصدر آخر من مصادر تمويل حملاتهم .

ثم أوغلوا فى ذلك عندما  دخلوا المدينة المنورة ، فقد سرقوا الذهب الذى كان موجوداً فى الحجرة النبوية ، وكان كثيراً يفوق ما يتخيله الرأس فقد كان فيه إيوان كسرى المذهب الذى غنمه المسلمون بعد موقعة القادسية ، وتركه الخلفاء الراشدون والملوك  من بعدهم على حاله فى الحجرة النبوية ، وحتى فى أشد حالات الضنك المادى الذى واجهه الملوك والحكام – رغم استبدادهم – لم يأخذوا منه شيئاً ، كما كان يوجد بالحجرة النبوية عقود من الذهب كانت السيدة زبيدة زوج هارون الرشيد وضعته هناك ، كما كان هناك غيره الكثير .

أخذ الوهابيون هذا المال لا ليقيموا به المنشآت فى البقاع المقدسة التى تخدم حجاج بيت الله الحرام ، كما لم يأخذوه حتى ليقيموا مؤسسات فى نجد ، ولكنهم أخذوه وقطعوه ووزعوه فيما بينهم باعتباره  من غنائم الحرب التى يجوز أخذها وتوزيعها على الجنود .

لكن ذلك المال بعد أن تم نهبه وإنفاقه لم يجد السعوديون المال الذى يؤسس لهم كياناً متماسكاً ، فقاموا بفرض اتاوات على الحجاج والعودة  إلى شن الغارات على القبائل ، ولكن ذلك لم يف بالغرض المطلوب .

جعل ذلك السعوديين يرتبطون بالدولة البريطانية التى منحتهم الأموال عبر فرض ضرائب مرتفعة على القوافل المارة من مصر إلى الثغور التى احتلتها بريطانيا فى عدن ومضيق  هرمز والكويت ، ثم إعطاء ابن سعود الكبير وأبنائه  حصة من المال ، وعموماً سقطت الدولة بعد أن هاجمتها قوات محمد على بأمر من الخليفة العثمانى ، وتخلت بريطانيا عنهم وكان ذلك من أقوى الأسباب التى جعلت الملك عبد العزيز فيما بعد يربط دولته سياسياً واقتصادياً بالقوى الدولية الكبرى ، وتلك القوى مرتبطة بالاقتصاد الصهيونى ، أى أن النظام السعودى جعل نفسه مرتبط بالاقتصاد الصهيونى بطرق مباشرة وغير مباشرة .

الاقتصاد السعودى فى بداية الدولة الثالثة

فى عام 1902 دخل الملك عبد العزيز الرياض وأسقط عرش آل رشيد ، كان مدعوماً بقوات بريطانية آتية من الكويت وليس أربعين رجلاً كما تذكر المصادر السعودية  ، المهم فتح عبد العزيز الرياض ، ثم أسس حكم نجد ليجد نفسه بلا موارد تجعله يتمكن من تسيير أمور سلطنته خاصة أن منطقة نجد لا توجد فيها أية موارد فهى منطقة صحراوية شديدة الوعورة يعيش فيها الناس على المطر حيثما حل .

من هنا كان تفكير الملك عبد العزيز فى  عقد اتفاقية دارين مع بريطانيا والتى هدفت إلى استقراره السياسي المدعوم من بريطانيا ، ولا يكون هذا الاستقرار السياسي إلا باستقرار اقتصادى ، فساندته بريطانيا بطريقين :

1 – حددت للملك عبد العزيز مرتباً ثابتاً شهرياً حسب ما يقول جون فيلبى وهو مرتب يمكنه الانفاق جزئياً على جنوده وإخوانه وعلى أسرته ، وحدد فيلبى هذا المبلغ بعشرين ألف جنيه استرلينى شهرياً .

2 -  دعمت بريطانيا الملك عبد العزيز إلى الإشراف على الاحساء ليصل إلى شط الخليج العربى ، ففرض ضرائب على السفن التى تمر فى مياه الخليج القريبة من شواطىء الأحساء، ثم ما لبث عبد العزيز آل سعود  من توسيع سلطنته ومع كل توسيع كان يفرض الجبايات على القبائل التى يغزوها .

الاقتصاد السعودى بعد احتلال الحجاز

ما أن وصلت القوات الوهابية السعودية إلى الحجاز واستقرت فيه اعتباراً من عام 1926 وجدت نبعاً مالياً لا ينضب من الضرائب التى فرضت على الحجاج فكانت تصل إلى خمسة جنيهات من الذهب ، بالإضافة إلى ثمن تأشيرة الحج التى كانت تصل إلى خمسة  جنيهات من الذهب للفرد الواحد ، كذلك جعل الملك عبد العزيز من مصادر تمويله الزكاة التى كان يجمعها الجباة من أهل الحجاز لا لإنفاقها فى مصارفها الشرعية ولكن لتمويل سلطنته التى كانت قد بدأت تستقر .

فى أثناء تلك الفترة كان التمويل الصهيونى الذى جاءه من يهود بريطانيا ليكون عبد العزيز بديلاً للشريف حسين الذى بدأت مشاريعه السياسية تتعارض مع السياسة البريطانية .

النفط .. والاقتصاد السعودى  وارتباطه بالاقتصاد الصهيونى

أذاع البرق فى اليوم الثانى عشر من مارس / آذار عام  1938  نبأ حفر بئر منتجة للنفط فى الظهران ، ثم توالت الأنباء بعد ذلك معلنة عن اكتشاف آبار أخرى فى بقيق على بعد 37 ميلاً  جنوبى غربى الظهران ، وفى نفس العام اكتشفت الحقول فى الدمام وأبى حدريه ،  وتوالت الاكتشافات النفطية لتصبح مملكة عبد العزيز آل سعود فى طريقها إلى الغنى والاستغناء عن المسلمين الذين كانوا ينفقون على الحجاز وأهله بدون من أو أذى ، ولكن ما حدث يفوق الوصف :

لقد بدأ البحث عن النفط منذ عام 1930 من قبل شركة " ستاندرد أويل كاليفورنيا " الأمريكية التى بدأت تنقب فى منطقة الإحساء ثلاثة أعوام لكى تدرك أن هذه المنطقة يوجد فيها بترول، ولذلك وصل مدير الشركة إلى الظهران عام  1933 بعد توقيع اتفاقية الزيت مع الملك عبد العزيز ، وظلت خمس سنوات تبحث  عن النفط حتى اكتشف البئر الأول عام 1938 ، أنفقت الشركة الأمريكية خمسة عشر مليوناً من الدولارات كان عليها أن تستردها عبر تحديد السعر الذى تدفعه لحكومة السعودية ، ثم السعر الذى تقوم بتسويق النفط للدول والشركات الأخرى ، فكان سعر برميل النفط  نصف دولار تأخذه حكومة المملكة ، وتقوم الشركة ببيعه بثلاثة دولارات .

كانت السعودية فى ذلك الوقت لا تتعامل إلا بالنقد الذهبى ، ولكن وتحت الإصرار الأمريكى البريطانى فرض عليها التعامل بالدولار الأمريكى والجنيه الاسترلينى ، ومن ثم بدأ التعامل السعودى المباشر مع الاقتصاد العالمى الذى يسيطر عليه اليهود ، وقد نتج ذلك عن التناقض بين الثروة والقدرة على حمايتها ، وحلت السعودية الأمر بالتحالف الوثيق مع الولايات المتحدة الأمريكية بعد بروزها كقوة كبرى فى العالم ، وهذا التحالف استجلب معه تبعية هيكلية متمثلة فى تدفق الأموال السعودية على البنوك الأمريكية والغربية التى يملكها اليهود ، وظلت هذه التبعية  مستقرة ، ولكن العوائد السعودية من النفط تعاظمت بعد حرب 1973 الذى رفع سعر البترول إلى اثنا عشر دولار ثم أربعين دولاراً دفعة واحدة ، الأمر الذى أدى – حسب ما يؤكده د. جلال أحمد أمين فى دراسته المنشورة فى مجلة السياسة الدولية أكتوبر 1980 – إلى وجود ظاهرة جديدة إلى دخول النفط كعنصر فى الانقسام الاقتصادى الذى يميز النظام العربى ، فقد أدى دخول الثروات والفوائض النفطية الهائلة الى انقسام إلى مجموعات اقتصادية متمايزة وإلى نوع من " عدم تناسق المكانة " ، ويقول : إن استثمار أموال النفط يتعلق أصلاً بإعادة تشكيل هيكل الانتاج العالمى ، فالنفط لم يعد سلعة محلية بل هى صميم الحضارة الغربية بأسرها وجعل اقتصاديات الدول النفطية تحت الوصاية الأجنبية ضرورة تفرضها الظروف السياسية والاقتصادية الدولية .

نجحت ليبيا فيما فشلت فيه إيران بثورة محمد مصدق 1951 – 1953 ، لتأميم النفط الإيرانى، وما فشل فيه عبد الكريم قاسم تقييد امتيازات شركة البترول العراقية عام 1959 ، فقد تمكنت ليبيا عام 1971 من رفع سعر البترول لأول مرة ، صحيح أنه ارتفاع محدود من دولارين إلى ثلاثة دولارات ، ولكنها محاولة مكنت منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) من رفع السعر فى عام 1974 (أى بعد حرب  أكتوبر 1973) – لقد تحولت السعودية (ومعها باقى دول الخليج) إلى قوة مالية عالمية عن طريق زيادة أسعار النفط  وزيادة المدخرات من أموالها وأموال باقى الدول المصدرة للنفط ، وبالتالى كانت السعودية تتخلص من أصول حقيقية (النفط) لتحصل بدلاً منه على أصول مالية ، ومن الخطأ هنا المطابقة بين الثروة الحقيقية والثروة المالية ، فالثروة الحقيقية (النفط) هى الثروة المطلقة ، أما الثروة المالية فإنها مجرد مطالبات على الأصول الحقيقية ، وقد قامت المملكة باستثمار تلك الأصول المالية فى دول الغرب الصناعية ، وبالتالى صارت هذه الأموال عرضه للتآكل الاقتصادى كما صارت عرضة للتجميد والمصادرة كما حدث عندما أقدمت الإدارة الأمريكية بتجميد الأرصدة الحكومية الإيرانية فى الولايات المتحدة فى أعقاب الثورة الإسلامية فى إيران عام 1979 .

كيف ارتبط الاقتصاد السعودى بالاقتصاد الصهيونى

كما ذكرنا فإن الملك عبد العزيز قبل ظهور النفط تعامل مع اليهود البريطانيين وقبل أخذ المرتب السنوى منهم ، وبعد ظهور النفط قبل استبدال الذهب بالعملة الورقية وذلك عام 1938 أى قبل ستة أعوام من إقرار اتفاقية بريتون وودز التى وقعت عام 1944 ، والتى أقرت أن تكون المعاملات الدولية خاضعة للنقود الورقية بدلاً من التعامل بقاعدة الذهب التى تمسك بها الكلاسيكيون .

صحيح من المنطقى القول إن دول العالم بأسره استقر الوضع الاقتصاى بها على التعامل بالنقد الورقى ، ولكن السعودية منذ البداية كانت السباقة فى هذا الأمر ،  ولو أنها اشترطت أن يكون ثمن البترول يؤدى إليها بالذهب لكان حدث تحول فى الاقتصاد العالمى بأسره .

والأفدح من ذلك هو ما حدث بعد حرب 1973 وما حدث من طفرة نفطية أدت إلى بروز السعودية كقوة عالمية تؤثر فى الدول العربية المتقدمة مثل مصر وسوريا التى دخلت بأموالها لتؤثر فى المناخ الثقافى الداخلى لتلك الدول وتجعل مصر تنتقل الى التحالف مع أمريكا العدو التقليدى للقضية العربية فى فلسطين ، والدول الحليفة والصديقة للدولة السعودية .

وقد ازداد الارتباط الاقتصادى السعودى بالاقتصاد الصهيونى عن طريق عدة طرق :

1 – العوائد النفطية التى تم إيداعها بالبنوك الصهيونية ، وتم استثمار هذه الأموال فى صناعة السلاح الصهيونية والتى تمول الآلة العسكرية لدولة إسرائيل أى أن المال السعودى  من ضمن أهم أسباب ارتفاع المقدرات الاقتصادية والعسكرية الصهيونية واستقرار الدولة الإسرائيلية فى المنطقة .

2 – ارتبط أفراد الأسرة السعودية بعائلات نفطية أمريكية مشهورة أكثرها شهرة أسرة كيندى وفورد وبوش ، والأسرة الأخيرة خرجت بأموالها سليمة بعد أحداث الكساد الذى ضرب الاقتصاد الأمريكى عام 1933 ، وعرف باسم الكساد العظيم ، وقامت أسرة بوش بعدها باستثمار أموالها فى المجال النفطى ، وارتبطت أسرة بوش بأفراد العائلة السعودية بداية من الملك فيصل وحتى الملك عبد الله بن عبد العزيز ، وكان من نتيجة هذه العلاقة قيام الأسرة السعودية باستثمار بعض فوائض النفط فى شركات بترول بوش ، وتلك الشركات التى كانت تسهم فى مصانع الأسلحة المختلفة من طائرات ودبابات وأسلحة مختلفة ، وتعطى الأرباح من تلك الشركات لأسرة بوش وأبناء الأسرة السعودية .

3 – تم تأسيس الحرس الوطنى السعودى عام 1964 ، والأمير عبد الله (الملك عبد الله حالياً) هو الذى أخذ على عاتقه تأسيس الحرس الوطنى ، ولكن الإشراف الفعلى والتدريب والأسلحة  أمريكية صرفة ، وكانت تدفع أجور الأمريكيين كذلك من عوائد النفط الموجودة فى البنوك الأمريكية ، ولا نعيب عنا أن كثيراً من الأمريكيين العسكريين العاملين بالمملكة السعودية هم يهود فى المقام الأول ، فعملهم عسكرى وتجسس رهيب ، نراه جلياً فى  صفقات السلاح التى تعقدها المملكة فى أمريكا ، وهو سلاح لم يستخدم على الاطلاق فى أية حرب عربية إسرائيلية ، وإذا كان الأمر كذلك فإن السوق السعودى صار مخزناً للسلاح الأمريكى / الصهيونى ، والعملية كلها تتعدى حماية الحدود من أى خطر خارجى ، لأن الخطر الذى يهدد المملكة السعودية ليس خارجياً ، فالسعودية آمنة بعلاقاتها مع الصهيونية من إسرائيل ، كما أن دول الجوار السعودى لا يمكنها التفكير فى  مهاجمة المملكة ، لأن الهجوم عليها يعنى العداء للدولة الأمريكية .

4 – تم تأسيس شركة آرامكو عام 1938 ، وهى شركة البترول التى تنتج البترول وتقوم بتصديره ، عمل الشركة يقوم على أسس اقتصادية غربية رأسمالية ليس لها علاقة بالاقتصاد الإسلامى من قريب أو بعيد ، وقرارات الشركة ليست سعودية خالصة ، وترتبط مباشرة بشركات الطاقة المختلفة فى العالم الغربى ، والبترول الذى ينتج هو بترول خام ، لا توجد إلا بعض شركات التكرير فى السعودية لتغطية الاستهلاك المحلى ، ومن الدلائل القوية على أن الشركة حددت أسعار النفط أن سعر صرف الريال السعودى بالنسبة للدولار الأمريكى مستقر منذ السبعينيات عند 3.75 ريال سعودى مقابل دولار أمريكى واحد ، وهذا لكى لا تحدث أية تقلبات اقتصادية إذا تغير سعر الصرف ، هذا بالإضافة إلى أن السعودية التزمت منذ البداية بتأمين حاجة السوق الأمريكى بالنفط ، فمثلاً إذا حدثت حرب أثرت على انتاج النفط ، تقوم حكومة المملكة بتعويض النقص من الانتاج لكى يستمر السقف عند حده المأمون للسوق الأمريكى والعالمى على السواء .

وفى دراسة لتاريخ آرامكو تحتل مكان الصدارة فى تاريخ المملكة السعودية وارتباطها بالولايات المتحدة الأمريكية إذ يعكس هذا التاريخ تطلعات وأهداف الولايات المتحدة وكذا الاختبارات التى أوصلت إليها لكى تجعل من العربية السعودية ركن زاوية ومنطلق لحركة نفوذها فى المنطقة العربية ، وهذا ما تناوله أحد الباحثين فى دراسة عن آرامكو من خلال اطلاعه على وثائق أمريكية ، ويلاحظ أن أمريكا لم تأخذ فى اعتبارها سوى مصالح الشركات والحكومات الغربية دون التطرق إلى موضوع كيفية وضع الثروة النفطية العربية فى خدمة التنمية الاقتصادية للمنطقة العربية أو حتى للدولة السعودية ذاتها ، وهذا بطبيعة الحال مفهوم من المنظور الأمريكى ، ويمكن فهمه من خلال تاريخ العلاقة السعودية الأمريكية مع امتدادها.

ولقياس ذلك نرى أن السعودية لم تتفق مع الاتحاد السوفيتى عندما كان قوة كبرى مناصرة للقضية العربية فى فلسطين ، إذ كان ينظر الاتحاد السوفيتى للعربية السعودية فى طول العقود الثلاثة الخمسينيات والستينيات والسبعينيات على أنها ضحية للإمبريالية الأمريكية وليست هى التى جعلت نفسها وبإرادتها أداة لأمريكا ، وهو ما يفصح عنه الخبراء السوفييت فى الدراسات التى كانوا يقومون بها ، كذلك كان السوفييت يرون أن الملك فيصل يمكن أن تتحسن العلاقات على يديه وحاول السوفييت التقرب للسعوديين ، لكن الآخرين ظلوا على موقفهم تجاه الاتحاد السوفيتى وهو العداء المبطن ، ربما لأنهم حسب الرواية السوفيتية كانوا ضحية للامبريالية الأمريكية ، وربما لأنهم ارتبطوا بالاقتصاد الأمريكى / الصهيونى بحيث يجعل من إرادتهم نحو تطبيع العلاقات مع السوفييت مشلولة ، وظل هذا الموقف ثابتاً حتى أسهمت السعودية فى انهيار السوفييت عندما مولوا الأمريكان بالجنود المتطوعين والمال فى أفغانستان، ومن ثم انفردت أمريكا بمقدرات العرب والسعوديين فى مقدمتهم .

السعودية ونمط الاستهلاك الغربى :

ما أن قفزت أسعار النفط فى السبعينيات من القرن الماضى حتى توسعت السعودية فى الإنفاق على البنى التحتية بالمدن السعودية حتى صارت مدن المملكة نسخ مكررة من المدن الأوربية فقد افتقرت إلى الحس الإسلامى والوطنى حيث تم تدمير أحياء بأكملها فى جدة والرياض وحتى مكة والمدينة لكى تصير تلك المدن عصرية بالمقاييس الغربية ، وحتى عند توسعة الحرمين الشريفين فى عهد الملك فهد روعيت الجوانب الجمالية على حساب الروح والتاريخ والمقدس الإسلامى .

فى الجانب الآخر ساد نمط استهلاكى طاغٍ على الشعب السعودى ، حيث بعثرت عليه الأموال حسب المواطنة وليس حسب العمل والجهد والكسب الحقيقى بالمعايير الاقتصادية التى تحدد أن الاقتصاد يبحث فى ضرورات الانسان الثلاث المأكل والمسكن والملبس ، واعتبر المواطن السعودى نفسه خيراً من غيره من الشعوب الإسلامية الأخرى طالما أنه يستطيع فتح متجر أو دكان ويستقدم أحد العمال الأجانب إليه ويصبح كفيله فيما يتعلق بالرق المؤقت ، فتنامت العنصرية السعودية ، فالسعودى لا يعمل فهو صاحب العمل ، وهناك أعمال شريفة لا يقوم بها السعودى إما لأنه لم يعملها من قبل لأن الطفرة النفطية قادته من الجمل إلى الطائرة مباشرة دون السير فى طريق التقدم المتدرج ، فكان من العار ان يعمل السعودى حداداً أو بناء أو ميكانيكياً أو غيرها من المهن التى اقتصرت على الأجانب الذين استقدمتهم المملكة للعمل فيها ، وقامت حكومة المملكة بتكريس هذه المفاهيم لدى المواطن السعودى طوال فترة السبعينيات وحتى أواسط الثمانينيات .

وعموماً وصل الاستهلاك السعودى إلى مقاييس عالمية لا يمكن مقارنتها بالسوق الأوربية والغربية فضلاً عن الدول العربية والإسلامية ، بحيث يمكن القول إن السعودية صارت سوقاً عالمياً تضخ فيه البضائع من كل شكل ولون ومن كل جنس وجنسية ثم تدفع قيمة هذه البضائع للشركات المنتجة ، وإذا قلنا إن البضائع الغذائية تأتى من دول مختلفة ، فإن البضائع الالكترونية والسوفت وير تأتى من الدول الغربية وتمول الاقتصاد الصهيونى بطريق غير مباشر لأن أغلب هذه الشركات إما صهيونية أو متعاطفة معها وتستثمر أموالها فى إسرائيل مثل شركة الكوكاكولا الشهيرة ، أى أن المواطن السعودى صار أداة فى إثراء المشروع الغربى .

وعندما تدهورت أسعار النفط فى أواخر الثمانينيات كان الاقتصاد السعودى يعانى من المشاكل التى صنعها النظام حيث لا توجد صناعة واحدة بالمملكة يمكن القول عنها إنها صناعة سعودية خالصة ، فكل شركات العطور والأدوية والملابس وقطع غيار السيارات ما هى إلا توكيلات لشركاتها الأجنبية ، ويقتصر الدور السعودى على دور الوسيط بين الشركة الأجنبية والزبون السعودى أو الأجنبى المقيم بالمملكة .

التحول الربوى للاقتصاد السعودى :

دائماً ما يهاجم شيوخ الوهابية الاقتصاد الغربى لأن دعائمه تقوم على الربا الذى يحدد سعر الفائدة للإقراض والاقتراض ، كما أن فتاويهم ترفض البيع بالتقسيط لأن التقسيط يرفع أسعار السلعة إلى ما يقرب من ضعف سعرها ، لكن على المستوى العملى فإن النظام الربوى هو الذى يسود بنوك المملكة وشركاتها ، والسيارات تباع بالتقسيط الربوى حسب المفهوم الوهابى ، وبنوك الراجحى والرياض والبنك السعودى ما هى إلا بنوك اقتصادية مرتبطة بالبنوك العالمية الصهيونية .

وإذا أخذنا بنك الراجحى مثلاً نجد أنه بنك يتاجر بالفروق بين سعرى الفائدة بين الإقراض والاقتراض ، كما أنه يقوم باستثمار أمواله فى البنوك الغربية ، ونادراً ما يقوم باستثمار أمواله فى الدول الإسلامية ، كما أنه تخصص فى استلام أموال الحجاج الذين يرغبون فى ذبح أضحيتهم ، ويقوم نيابة عنهم بالذبح ، ووضع الذبائح فى الثلاجات تمهيداً لتوزيعها على فقراء المسلمين كما يقولون ، ويأخذ بنك الراجحى عمولة كوسيط بين الحاج والمجزر الذى يذبح هذه الذبائح ، وهذا أمر لا شىء فيه ، ولكن ما يحدث هو أن تلك الذبائح توضع فى الثلاجات ثم لا يعرف مصيرها أحد ، بعضها يوزع داخل المملكة والآخر خارجها ، وهذا الذى يوزع فى الخارج لا يمكن رصده ولا عده ولا تقييمه ، حوالى مليونى ذبيحة لا يعرف أحد مصيرها علماً أن هذه الذبائح عبارة عن خرفان أى أن مليونين من الخرفان المذبوحة تضيع كل عام دون أن يجرؤ أحد من العلماء أو من حكام المسلمين على السؤال عنها لأن السعودية اعتبرتها من ضمن خصوصيات النظام ، وقيل ان ما يستلمه بنك الراجحى لا يذبح جميعه ، بحجة أن المجزر لا يستوعب مثل هذه الكميات الهائلة من اللحوم ، ويقوم إما باستثمارها أو ذبحها فى غير موسم الحج .

بنك فيصل الإسلامى

بعد فكرة إنشاء بنوك إسلامية إلى أواخر الستينيات من القرن الماضى ، وهى فكرة نبيلة إذا أقيمت حسب شريعة الإسلام ، وعموماً تم إنشاء بنك فيصل الإسلامى عام 1974 ، وأسس بنك فيصل الإسلامى المصرى عام 1979 ، ومن خلال متابعة أعمال بنك فيصل الإسلامى يجده يتعامل تماماً كما تتعامل البنوك فى كل أرجاء العالم ، ولتغطية هذا التعامل يقوم بنك فيصل بإعطاء المودع عائداً شهرياً قابلاً للزيادة أو للنقصان حسب ما يحدث للبنك من ربح أو خسارة ، وهذا العائد يقترب من العائد الشهرى فى البنوك المختلفة وعادة ما يكون أقل منه ، وفى آخر العام يحسبون ما يقولون عنه ربح أو خسارة (لا تحدث خسارة على الاطلاق) ثم يعطونه فروقاً أو يخصمون فروقاً مما أخذه طوال شهور السنة .

أما فى حالة الاقتراض من البنك ، فإن البنك الإسلامى يقوم بنفسه بشراء البضائع التى يريد المقترض شراءها ثم يسلموها إليه بموجب إيصال ، ويأخذون منه نسبة من الربح تصل إلى نسبة الفائدة على الإقراض الذى تقوم به البنوك المختلفة غير الإسلامية .

كما أن بنك فيصل الإسلامى يتعامل مع البنوك الأخرى التجارية ، فيتعامل مع بنك الرياض فى السعودية ومع بنوك مصر والقاهرة والأهلى بمصر ، ومع البنوك العالمية الأخرى وكلها تتبع أساليب البنوك المصرية من إقراض واقتراض والربح من هامش الفروق بينهما .

هذا الأمر كسب مشاعر وعواطف المسلمين فقام الناس بسحب مدخراتهم من البنوك لإيداعها بنك فيصل الإسلامى ، فقامت البنوك التجارية الأخرى بفتح فروع لها تحمل الشعار الإسلامى لجذب المدخرات مرة أخرى ، وجميع ذلك نابع من الضحك على الشعوب واللعب على أوتارها الحساسة .

كما أن أصحاب شركات توظيف الأموال فى مصر ادعوا أنهم يقومون بتأسيس نظام اقتصادى إسلامى ، وتركهم النظام يتلاعبون بأموال المواطنين حتى حدثت الكارثة الكبرى عام 1988 وما تلاها ، ولكنهم تأثروا بما قام به بنك فيصل الإسلامى ، فكسبوا الأموال من فروق الأسعار بين سعرى الإقراض والاقتراض ، كما أنهم جميعاً تعاملوا مع البنوك التجارية فى الغرب الأمريكى بخاصة وكلها بنوك تابعة للاقتصاد الصهيونى وتخدم دولته الإسرائيلية .

السوق الإسلامية المشتركة والدور السعودى فى إجهاضها

أعلن عن قيام السوق الإسلامية المشتركة عام 1967 تنفيذاً لمعاهدة التعاون الاقتصادى والدفاع المشترك التى وقعت فى إطار الجامعة العربية ، ورغم أن هذا التجمع لم يلغ حتى الآن ، فإن قيامه على فكرة (تحرير التجارة) حال دون تحقيقه لهدفه ، فتمخض التجمع عن بعض المشروعات المشتركة ، معظمها فى قطاعات المال والائتمان والتأمين .

وقد أقيمت بعض التجمعات الاقتصادية الفرعية بين مجموعات متجاورة من الدول الإسلامية مثل :

1 – مجلس التعاون الخليجى ، وهو قائم بين الدول النفطية فى شبه الجزيرة العربية ، ويكاد يقتصر نشاطه على التعاون فى مجال النفط ، ثم أقيم تحالف عسكرى بينهم ارتبط مع الولايات المتحدة الأمريكية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً .

2 – تجمع الآسيان والذى يضم أندونيسيا وسنغافورة وبروناى والقلبين وتايلاند وقد قام هذا التجمع عام 1967 .

3 – منظمة التعاون الاقتصادى التى قامت منذ عام 1965 بين كل من تركيا وإيران وباكستان ، وفى شهر مايو 1992 عقد مؤتمر قمة فى (عشق آباد) عاصمة تركمانستان بين دول المنظمة وخمس من الدول الإسلامية بوسط آسيا (تركمانستان – طاجيكستان – أوزبكستان – قيرغيزيا) لتوسيع النطاق الجغرافى لمنظمة التعاون الاقتصادى ، والانفاق والنقل والمواصلات ، والتجمع المذكور يضم أكثر من 200 مليون مسلم ، وتضم أراضيه امكانات زراعية واستخراجية وثروة حيوانية جيدة فضلاً عن النفط والغاز الطبيعى وفضلاً عن الأهمية الاستراتيجية لهذه المجموعة .

كان من الطبيعى أن تتفاعل الكيانات الاقتصادية الإسلامية المتعددة للتعاون والتنسيق ، ثم الوصول إلى السوق الإسلامية المشتركة ، والتى هى الوسيلة الأمثل لزيادة كم المشروعات الاقتصادية القائمة وللحد من الآثار السيئة التى تسببها إقامة الشركات الأجنبية العملاقة لأفرعها فى البلاد الإسلامية ، كما أن السوق الإسلامية المشتركة وسيلة مناسبة لتوسيع السوق أمام المنتجات الإسلامية ولإنشاء التجارة بين الأقطار الإسلامية ، كما أنها الوسيلة المناسبة للسيطرة على الثروات الإسلامية لأنها ستزيد من القدرة التفاوضية للمجموعة الإسلامية مقابل غيرها من التكتلات الاقتصادية فتصبح المعاملات التجارية الدولية أكثر عدلاً ، ويمكن من خلالها الإسراع بمعدلات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وحسن تقييم العمل واستغلال التخصص والميزة النسبية فى الإنتاج ، كما أنها الإطار المناسب لتحقيق الاكتفاء الذاتى فى مجالى توفير الغذاء وتصنيع السلاح فضلاً عن أن ممارسة العمليات الاقتصادية فى مجالى الصناعة والزراعة وغيرها سوف يؤدى إلى بناء وتطور التنمية الإسلامية ، وبتحقيق هذه الأمور يتخلص المسلمون من التبعية والضغوط الخارجية المتزايدة ، ويمكن أيضاً مواجهة المشروع الصهيونى / الأمريكى .

وكتبت المؤلفات عن حتمية إنشاء سوق إسلامية مشتركة ، لأن هذه السوق ليست مشروعاً اقتصادياً خالصاً، فمن خلالها يدخل المسلمون مجال ثورة المعلومات والاتصالات والتطور التكنولوجى ، كما أن هذه السوق حتمية شرعية يفرضها الدين الإسلامي نفسه لمواجهة الأخطار التى تهدد المسلمين .

الدور السعودى فى إجهاض السوق الإسلامية المشتركة

هناك عقبات سياسية واقتصادية أدت إلى عدم خروج فكرة السوق الإسلامية المشتركة إلى النور لابد من ذكرها قبل الحديث عن الدور السعودى فى إجهاضها انصافاً منا وتذكرة لنا فى آن واحد .

أما أهم هذه العقبات فهى :

1 – ضعف الوعى بشئون التكامل الاقتصادى ، وتشكك بعض الأطراف الإسلامية خاصة ذات الدخل المرتفع وخشيتها من ضياع ما بأيديها من ثروة لصالح الدول الأقل ثورة .

2 – التمسك بأفكار السيادة وفكرة الدولة بمفهومها التقليدى الذى لا يتناسب والمنهاج الإسلامى من ناحية ، ومن ناحية أخرى تجاوزته الأحداث والزمن ، فعالم اليوم أصبح عالم التكتلات .

3 – وجود خلافات مذهبية وأيديولوجية واعتناق بعض الدول لفكرة العلمانية صراحة أو ضمناً ، وبالتالى فهى تسقط من حساباتها جزءاً كبيراً من منهاج الإسلام ، على الأقل فى مجال الاقتصاد الإسلامى .

4 – سوء توزيع السكان ، فبينما نجد كثافة سكانية عالية فى بنجلاديش وباكستان ومصر ، نجد شبه فراغ سكانى فى أقطار أخرى ، ويزيد من صعوبة التغلب على هذه المشكلة وجود صعوبات إدارية وتنظيمية ، وقلة منشآت البنية التحتية والخدمات خاصة وسائل الانتقال والطرق كى يتم انتقال السكان من مناطق التكدس إلى مناطق الفراغ السكانى .

5 – ضعف أجهزة المعلومات والاعتماد على الإحصائيات التى تقوم بها جهات يهمها ألا يقوم تجمع إسلامى ذو شأن .

6 – وقوع عدد كبير من الدول الإسلامية فريسة للهيمنة الغربية ، خاصة فى الشئون الاقتصادية ، إما بسبب ما تتلقاه بعض الدول من معونات وقروض لا يتصور إلا أن تكون مشروطة بشروط لصالح الجانب الذى يهمه ألا يتحقق فكرة التكامل الإسلامى ، وإما لوجود معظم الأموال الإسلامية بالبنوك الأجنبية تحت سيطرة اليهود .

7 – تشابه النشاط الاقتصادى فى الدول الإسلامية المختلفة ، ويؤثر بالطبع على التجارة البينية بين الدول الإسلامية .

8 – ضعف القطاع الصناعى بسبب التخلف التقنى وهجرة العلماء والأيدى الفنية الماهرة إلى خارج الأمة الإسلامية ، وحدوث خطأ خطير فى مفهوم (نقل التكنولوجيا) إذ يتصور البعض أن قيام الشركات الأجنبية بفتح فروع لها فى البلاد الإسلامية أو السماح بتجميع منتجاتها عندها بتصريح هو بمثابة نقل هذه التكنولوجيا ، والحقيقة عكس ذلك تماماً ، فهذه الأمور تقلل فرص التقدم التقنى وتؤكد التبعية الاقتصادية للغرب ، وتمكن هذه الشركات من استغلال المواد الخام والأيدى العاملة وغزو الأسواق .

كانت تلك بعض الأسباب التى أدت إلى فشل مشروع السوق الإسلامية المشتركة ، ولكن السعودية استطاعت أن تكون أول الأسباب الداعية إلى فشل المشروع وذلك للأسباب التالية :

1 – لم تقدم السعودية أى دعم مالى مؤثر يعوض الدول الفقيرة عن القروض والمعونات المشروطة كتلك التى تقدمها أمريكا لمصر منذ عقد اتفاقيات كامب ديفيد ، واقتصرت المعونات السعودية على نشر الفكر الوهابى ببناء مساجد أنصار السنة ودعمها بالمال وبتأشيرات الحج ، وهذا أدى إلى استمرار وقوع الدول الإسلامية الكبرى أسيرة القروض والمعونات الاقتصادية المشروطة وهو الذى جعلها رهن الدول المانحة مع العلم بأن معظم القروض والمعونات عبارة عن منتجات هامة وتعتبر جزءاً لا يستهان به فى مشروع السوق الإسلامية المشتركة ، أن أى ذلك سيخصم حتماً من أى تجارة بينية بين الدول الإسلامية، ونذكر هنا الدعم المالى السعودى لإزالة آثار عدوان هزيمة 1967 لنجده هزيلاً لم يتجاوز 90 مليون دولار خلال ست سنوات ، وقد تمكنت من تعويضه مائة ضعف بعد ارتفاع أسعار النفط فى أعقاب حرب 1973 .

2 – قام الفكر السعودى / الوهابى على المذهبية فهو يشكك فى نوايا معظم الدول ، يرفض إيران لأنها دولة مختلفة فى المذهب ، ويرفض مصر ، لأنه ينظر لها كمنافس إقليمى ، ولغيرها من الدول الأخرى بمقاييس مختلفة ، ويعتقد أن السوق الإسلامية المشتركة ما هو إلا فتح أسواق المملكة لمنتجات الدول الأخرى الإسلامية لأنها لا تنتج سوى النفط ، ومعظم النفط يصدر للدول الغربية ، وأثمان النفط تعود فى ثوب سلع وبضائع إلى السوق السعودى وهذا يؤثر بالطبع على دخول السعودية كطرف أساسى وشريك فى السوق الإسلامية المشتركة .

3 – رغم أن الفكر الوهابى يقوم على نشره والتبشير به لأنه يمثل فى اعتقادهم أنه الإسلام الحقيقى ، لكنهم عند الحديث عن الثورة تبدأ مقولات ومصطلحات الخصوصية والسيادة الوطنية بمفهومها التقليدى رغم أنه يتنافى مع كل مقولاتهم عن الوحدة الإسلامية ، كذلك هم يدعون أنهم يقودون العالم الإسلامى ويقدمون لدوله التبرعات ، ولكنها وكما قلنا هى تبرعات لإنشاء مساجد تبشر بالفكر الوهابى وحده وتكفر من فوق منابره جميع المسلمين المخالفين لهم فى الرأى .

4 – فى أى تجمع إسلامى تعتقد السعودية أنها بالإمكان شراء أعضاء التجمع بأموالها رغم أنها لا تقدم إلا القليل ، فمثلاً فى مؤتمر بغداد الذى عقد عام 1979 لمقاطعة مصر بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد مع إسرائيل ، كان من ضمن المقررات زيادة فرص تشغيل المصريين فى الدول الخليجية حتى لا يتأثر الشعب المصرى بعقوبات فرضها المؤتمر عليه ، ولكن السعودية لم تفتح أبوابها حسب ما هو منصوص عليه فى القمة العربية رغم أنها كانت تتعامل سراً مع أنور السادات بأوامر من الإدارة الأمريكية ، وتلك قمة الازدواجية السياسية والبراجماتية الاقتصادية فى آن واحد ، أما فى مؤتمر منظمة المؤتمر الإسلامى الذى عقد عام 1982 فى المغرب فقد حرص العرب على تجميد عضوية مصر فى المؤتمر ، ولكنّ السعودية استطاعت إفشال ذلك الهدف العربى ، ولم تكن السعودية تدافع عن مصر بقدر مخاوفها من تصدير أفكار الثورة الإسلامية فى إيران ، فهى تريد أن تتغطى برداء عربى ضد الثورة الإيرانية ، وليكن ما يكون عن وحدة العالم العربى .

5 – أجهضت السعودية فكرة السوق الإسلامية المشتركة عندما مولت العراق أثناء حربه ضد إيران طوال ثمانى سنوات ، ولنأخذ فى الاعتبار أن السعودية دفعت حوالى 25 مليار دولار ثمن أسلحة اشتراها العراق ، والعراق كان يحارب نيابة عن أمريكا ضد إيران ، والسعودية كانت تشترى السلاح من الشركات الصهيونية / الأمريكية ليفتك بالمسلمين فى العراق وإيران على السواء ، والمستفيد الوحيد هم الصهيونيون الذين أخذوا الأموال وجربوا الأسلحة بما فيها الأسلحة الكيماوية ضد الشعب العراقى نفسه ، وبالتالى فقد دخلت السعودية فى عداء مع إيران ثم مع العراق ، وبالتالى لم يعد الحديث عن سوق إسلامية مشتركة متداولاً .

6 – قام أفراد الأسرة السعودية باستثمار مدخراتهم فى دول أوروبا وأمريكا وذلك بشراء حدائق وملاهى بل وصل الأمر بهم أن دفعوا أموالاً لوكالة الفضاء الأمريكية لكى يأخذوا معهم أحد الأمراء الشبان هو الأمير سلطان بن سليمان ، وأذاعوا أنه أول رائد فضاء عربى، ولكنه بالقطع لم يكن رائد فضاء بل هو مسافر دفع الملايين من أموال الشعب لكى يركب فى سفينة فضاء ، مع العلم أن رائد الفضاء العربى الحقيقى هو السورى محمد فارس الذى صعد مع طاقم سوفييتى عام 1987 ، ولكنه المال الذى يضيع لإثبات الأفكار الخائبة ، وهذا يؤثر بالسلب على أى فكرة حقيقية تؤسس لسوق إسلامية مشتركة ، لأن السعودية تملك المال ولكنها ارتبطت بالاقتصاد الصهيونى فى استثماره بعيداً عن الدول الإسلامية لتكون شريكة رسمية فى الاقتصاد الغربى المهيمن ، وهذا ضرب أى محاولة سياسية أو اقتصادية جماعية عربية أو إسلامية .

الرأسمالية السعودية

نشأ النظام السعودى على الأساس الرأسمالى الغربى بكل تداعياته ، وليته أخذ مع الرأسمالية الأفكار الليبرالية الغربية بما فيها من قيم الحرية والمساواة والعدالة ، ولكنها أخذت الرأسمالية المستغلة لشعوب العالم ولشعب الجزيرة على وجه الخصوص .

أغدقت الأموال على الأمراء من أبناء الأسرة الحاكمة ، ثم على فقهاء المملكة الوهابيين ، ثم ما تبقى أنفق منه على شعب الجزيرة .

وعموماً اتبعت السعودية سياسة السوق المفتوحة والتى هى اصطلاحاً تتمثل فى عمليات البيع والشراء المباشرة ، وعمليات السوق المفتوحة لها تأثير على أسعار الفائدة ذلك أن " دخول البنك المركزى بائعاً لأوراق مالية – سندات حكومية مثلاً – يؤدى إلى تخفيض أسعارها فى السوق ، وهذا يعنى رفعاً لأسعار الفائدة ، والعكس صحيح مما يؤدى إلى التأثير فى اتجاهات الاستثمار بالاقتصاد الوطنى " ، وهذه السياسة المعتمدة على السوق المفتوحة تتطلب وجود أسواق نقدية ومالية كفأة وعلى درجة عالية من التنظيم والتقدم ومن المعلوم أن السعودية تفتقد لمثل هذه السوق ، ولذلك لجأ الاقتصاد السعودى إلى البورصات المحلية السعودية والغربية لشراء الأسهم والسندات وإنشاء مؤسسات ربحية لا علاقة لها لا بالإسلام ولا بمرجعيته (خذ مثلاً إنشاء قنوات فضائية للطرب والموسيقى والأفلام ثم للدين كذلك) مع العلم أن التعامل بالسندات الحكومية أو الأسهم فى البورصة مما اعتبره فقهاء الإسلام من التعامل الربوى بمن فيهم فقهاء الوهابية ، ولكن لأن النظام ارتبط بالاقتصاد والسياسة النقدية والمالية العالمية فقد رهن المملكة واقتصادها وسياستها بما يقوم به اليهود فى دول العالم بما يخدم مخططاتهم كما وردت ببروتوكولات حكماء صهيون .

وعموماً أخذت الرأسمالية الغربية تتوسع فى الكيان السعودى حتى وصل المجتمع إلى النظام الطبقى بكل مساوئه التاريخية والواقعية ، فهناك فى هرم المجتمع يوجد أبناء الأسرة السعودية بكل امتيازاتهم التى يحصلون عليها بموجب انتسابهم للنسل السامى السعودى ، ثم يأتى من بعدهم فقهاء أسرة آل شيخ وهم أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، ويليهم فى الترتيب الطبقى يوجد الفقهاء الآخرون الغير منتسبين لآل شيخ ، ولكنهم يحصلون على امتيازات هائلة كذلك، نرى شيوخ الحرم المكى والمدنى يعيشون فى بحبوحة من العيش رغم أنهم يتبعون المذهب الحنبلى بتفسيره الوهابى رغم أن الإمام أحمد بن حنبل له فتوى مشهورة تقول أو تنصح العلماء بعدم الدخول إلى السلطان ، لأنك – وهذا قوله – إن دخلت عليه إما أن تنكر ما يعيش فيه من نعيم فى مقابل الفقر الذى يعيشه المسلمون فتكون قد أهلكت نفسك ، وإما ألا تنكر فتصبح مثل الشيطان الأخرس ، وكلاهما مهلك للعلماء ، لم يأخذ العلماء السعوديين بذلك بل انهم انغمسوا فى النعيم وتقربوا إلى السلطان ليس من أجل المال فى حد ذاته ولكن من أجل أن يقوم بفتح البلدات أمامهم لنشر الوهابية ، والسلطان السعودى يتقوى بهم فى سلطانه وحكمه.

ثم يأتى النجديون فى المرتبة التالية ثم شيوخ العشائر فى المناطق المختلفة ثم باقى المواطنين فى المملكة وآخرهم الأشراف الذين منعوا من الانخراط فى السلك الإدارى أو الدبلوماسى أو العسكرى أو القضائى فى الدولة .

أما آخر سلم النظام الطبقات فهم (الدكارنة) وهم الزنوج الذين كانوا عبيداً حتى أجبر الملك فيصل على تحريرهم عام 1966 بعد الحملات الاعلامية التى وجهت إليه من مصر ودول أخرى كثيرة ، هؤلاء منهم من كان عبداً ومازال ولاؤه لسيده ، ومنهم الجيل الثانى الذى لم يشهد العبودية ، ومع ذلك ظلت تطاردهم كلمة العبد الأسود .

ومعظم هؤلاء مازالوا يعيشون على هامش المجتمع إما يقومون بخدمة الحجاج بأجر أثناء مواسم الحج والعمرة ، أو يعيشون فى مجتمعاتهم الخاصة بهم فى المدن السعودية يعملون فى المهن التى لا يرضى أن يقوم بها السعودى ، صحيح أن القليل منهم حقق بعض الثراء ، ولكنهم فى جملتهم مبعدون عن الوظائف الكبرى فى الدولة السعودية ، ومحرومون من الجيش المتطوع والشرطة .

السعوديون والعولمة الأمريكية / الصهيونية :

مصطلع العولمة كما يذهب إلى تعريفه الاقتصاديون والسياسيون ظهر من خلال الأطر الاقتصادية والثقافية والسياسية والاجتماعية التى تعكس تجربة العالم الغربى التاريخية والحضارية واتجاهاتها المستقبلية ، أما المفهوم الاقتصادى للعولمة يعنى (تحرر العلاقات الاقتصادية بين الدول من السياسات والمؤسسات القومية والاتفاقيات المنظمة لهما بخصومها التلقائى لقوى جديدة أفرزتها التطورات التقنية والاقتصادية تعيد تشكيلها وتنظيمها وتنشيطها بشكل طبيعى على مستوى العالم بأسره وجعلها وحدة واحدة) ، وقد حرصت الادارة الأمريكية على الترويج للجانب الاقتصادى من العولمة لأنه قد لا يثير شكوك دول العالم ، واعتبرت منظمة التجارة العالمية إحدى الأدوات الهامة والحاسمة فى التفاوض مع الدول المختلفة ، رغم أن الجانب الاقتصادى من العولمة مرتبط بالجوانب السياسية والاجتماعية والدينية للدول المختلفة .

وبخصوص النظام السعودى قامت بتحرير علاقاتها الاقتصادية ليس مع دول العالم بأسره ، أو مع الدول الإسلامية ، ولكنها اقتصرت فى التحرير مع الغرب الاستعمارى ، وهو تحرر من جانب واحد خدمت به الاستعمار ولم تستفد شيئاً من التقنيات المتطورة الجديدة ، فلم تستطع نقل التكنولوجيا بل استوردتها .

ولكنها فى الجوانب الأخرى ظلت فى حالة تاريخية من الاستبداد السياسى المتغطى بغطاء الدين ، ولكن وبعد أحداث 11 سبتمبر / أيلول من عام 2001 وهو اليوم الذى ضرب فيه تنظيم القاعدة برجى التجارة فى نيويورك ومقر البنتاجون فى واشنطن ، حسمت أمريكا أمرها وضغطت على النظام السعودى لكى يأخذ بجانب آخر من الجانب العولمى وهو التحرر الدينى لكى يغير النظام نظامه التربوى الدينى المكفر للغير لكى يتلازم مع العولمة التى نادت بها وأخذ النظام السعودى بشقه الاقتصادى ، وبالفعل حدث تغيير فى بعض مناهج التاريخ السعودى اختزل معارك النبى (ص) مع اليهود ، ولكن تركت الأفكار العقيدية على ما هى عليه وهى الأفكار الوهابية التى شرحناها فى أبحاث سابقة لنا وأبحاث لغيرنا كذلك .

خلاصة البحث

إن النظام السعودى ارتبط بالإمبريالية العالمية قبل ظهور النفط وبعده ، ولكنه احتمى بالنظام الاقتصادى العالمى الذى يسيطر عليه دعاة الصهيونية ، وادعى أن نظامه إسلامى وهاجموا كل من قالوا بعكس ذلك فى دينه ، وشككوا فى إيمانه ، ولكن هذا الزيف ظهر كثيراً ، ولكن المال النفطى أعمى العيون ، وعندما أعمى العيون تمكن السعوديون من وأد أية فكرة تقوم على أساس الوحدة الإسلامية حتى فى أبسط صورها ، وحاربوها فى الخفاء وفى فكر وظل الصور الوحدودية على الورق فقط مثل السوق الإسلامية المشتركة ، لأن فكرة السوق المشتركة تقوم على التعاون بين مجموعة دول لتحقيق أفضل استغلال لمواردها ولتحقق أفضل عائد من وراء هذا الاستغلال كخطوة فى سبيل تحقيق التنمية الشاملة المشتركة ، لذا كان ضرورياً أن تصاحب الإجراءات الاقتصادية سالفة الذكر إجراءات أخرى وتنظيمات فى المجالات الاجتماعية والسياسية والمالية والنقدية والتقنية وفى مجالى الدفاع والأمن .

ولكن كل هذه الإجراءات والأفكار لم تصمد أمام الاختراق الامبريالى للدول الإسلامية ، وفى مقدمة هذه الدول الدولة السعودية التى تدعى الحرص على الإسلام ولكنها تمارس أقسى درجات الخيانة للقضايا الإسلامية المشتركة ، وحتى فى التجمع الخليجى المحدود (مجلس التعاون الخليجى) حدثت تجاوزات سعودية ضد دول أخرى فى المجلس مثل قطر فقد حاولت السعودية تغيير نظام الحكم فيها عام 1996 لإعادة أمير قطر الأب الذى عاش فى المنفى ، رغم أن السعودية نفسها نفت الملك عبد العزيز من قبل ، كما حدثت تحرشات حدودية بين السعودية والامارات وقطر ، وكذلك مع اليمن ، كما حاولت خنق الاقتصاد اليمنى عندما طردت الآلاف من اليمنيين الذين عاشوا عقوداً فى الجزيرة وذلك أثناء حرب الخليج الثانية عندما غزا صدام حسين الكويت .

لقد رهنت السعودية مالها واقتصادها للقوة الأمريكية / الصهيونية واحتمت بهذا المال المرهون لكى تظل على سدة الحكم .

من هنا يحق لنا القول إن مفاسد النظام السعودى تجعلنا ننادى بفك الارتباط بينه وبين الحجاز المقدس بعد أن رهنت الجزيرة العربية بما فيها الحجاز عند الصهيونيين ، ورهنت الأمة بأسرها معهم ، وتحرير الحجاز والجزيرة تحرير للأمة جمعاء .

كتب رجعنا إليها فى البحث :

1 – قراءة فى فكر علماء الاستراتيجية – السوق الإسلامية المشتركة بين النظرية والتطبيق – تأليف لواء أ.ح . د. فوزى محمد طايل – دار الوفاء – المنصورة – 2000 .

2 – السياسة النقدية والمالية فى اطار نظام المشاركة فى الاقتصاد الإسلامى – د. صالح الصالح دار الوفاء – المنصورة – 2000 .

3 – معاملات البنوك وأحكامها الشرعية – د. محمد سيد طنطاوى – مكتبة الأسرة – القاهرة 1998 .

4 – مجلة السياسة الدولية – العدد 62 – أكتوبر 1980 – مواضيع مختلفة للدكاترة : جلال أحمد أمين – حسن نافعه – محمد السعيد إدريس – محمد السيد سليم .

5 – الفكر الاقتصادى – د. حازم الببلاوى – مكتبة الأسرة – القاهرة – 1996 .

6 – اقتصاديات النقود والبنوك – د. محمد حامد الزهار – مطبوعات جامعة المنصورة – 2004 .

7 – مشكلات الأمة العربية وعلاجها – أ. جلال السيد – دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر – بيروت – 1973 .

8 – بروتوكولات حكماء صهيون – ترجمة محمد خليفة التونسى وتقديم عباس العقاد – دار الفكر – بيروت – 1 978 .

9 – بعض المواقع الالكترونية .


الصفحة الرئيسية - القرآن وتحديات العصر - آفاق المشروع الشيعي - المؤمن المتمدن - حوارات - تقارير - أنشطة وبرامج

حقوق الطبع والنشر محفوظة © منتدى القرآن 2004-2014